الكاتب عبد الهادي مستور
الكاتبة سارة البوزيدي
رهانات المرأة بين الواقع والمواقع
لم تعد المرأة اليوم تواجه تحديات الواقع وحده، بل أصبحت تعيش امتحانا جديدا فرضته الثورة الرقمية. فبين مسؤوليات الحياة اليومية، وضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، تقف المرأة أمام رهانات متشابكة تتطلب منها وعيا أكبر، حتى لا تفقد ذاتها في عالم يصنع الصورة أكثر مما يصنع الحقيقة.
لقد قطعت المرأة أشواطا مهمة في ميادين التعليم والعمل والإبداع، وأثبتت أنها قادرة على تحمل المسؤولية والمساهمة في بناء المجتمع. فأصبحت الطبيبة والمعلمة والمهندسة والمحامية ورائدة الأعمال، كما بقيت في الوقت نفسه القلب النابض للأسرة، تتحمل مسؤوليات التربية والرعاية وصناعة الاستقرار داخل البيت. غير أن هذا النجاح لم يلغ الكثير من التحديات التي ما تزال تواجهها، سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية.
ومع ظهور مواقع التواصل الاجتماعي، دخلت المرأة مرحلة جديدة تختلف عن كل ما سبق. فقد أصبحت هذه المنصات مساحة للتعبير عن الرأي، وعرض المواهب، وبناء المشاريع، والتعلم المستمر، والتواصل مع العالم. واستطاعت آلاف النساء أن يحققن نجاحات حقيقية بفضل هذه الوسائل، وأن يحولن أفكارا بسيطة إلى مشاريع ناجحة، وأن يثبتن أن التكنولوجيا يمكن أن تكون جسرا نحو التقدم.
لكن الوجه الآخر لهذا العالم لا يقل خطورة. فالكثير من المحتوى الذي يعرض على هذه المنصات يقوم على المظاهر، ويقدم حياة تبدو كاملة وخالية من المتاعب، بينما يخفي وراءها كثيرا من المعاناة والضغوط. ومع التكرار اليومي لهذه الصور، تبدأ بعض النساء في مقارنة حياتهن بما يشاهدنه، فيتسلل إليهن الشعور بالنقص، ويضعف الرضا عن النفس، رغم أن الحقيقة تختلف كثيرا عما يظهر على الشاشات.
ومن أخطر رهانات هذا العصر أن تتحول قيمة المرأة إلى عدد المتابعين، أو حجم التفاعل مع صورها ومنشوراتها، في حين أن قيمتها الحقيقية لا تقاس بالأرقام، وإنما بما تحمله من علم وأخلاق وفكر ورسالة. فكم من امرأة لا يعرفها أحد على مواقع التواصل، لكنها تربي أجيالا، أو تعالج المرضى، أو تساهم في خدمة مجتمعها بصمت، وهي في ميزان الإنسانية أعظم أثرا من آلاف الصفحات التي لا تقدم سوى الفراغ.
كما تواجه المرأة في الفضاء الرقمي تحديات أخرى، منها التنمر الإلكتروني، والابتزاز، وانتهاك الخصوصية، والاستغلال التجاري لصورتها، إضافة إلى الضغوط النفسية الناتجة عن السعي المستمر نحو الكمال. وهذا كله يفرض ضرورة نشر ثقافة رقمية واعية، تعلم المرأة كيف تستفيد من التكنولوجيا دون أن تقع أسيرة لها.
إن المجتمع بدوره مطالب بأن ينظر إلى المرأة بعيدا عن الصور النمطية، وأن يقدرها بما تقدمه من عمل وفكر وإنجاز، لا بما تنشره على المنصات. كما أن الأسرة والمؤسسات التعليمية مطالبة بتربية الأجيال الجديدة على الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا، حتى تصبح مواقع التواصل وسيلة لبناء الإنسان، لا لهدم ثقته بنفسه.
إن الرهان الحقيقي ليس في اختيار الواقع أو المواقع، وإنما في القدرة على تحقيق التوازن بينهما. فالمرأة التي تجعل من التكنولوجيا وسيلة للتعلم والإبداع والعمل، ستربح نفسها ومستقبلها. أما إذا جعلت رضا الناس غايتها، وصارت تقيس قيمتها بما يقال عنها في العالم الافتراضي، فإنها ستخسر أجمل ما تملك، وهو سلامها الداخلي.
وفي النهاية، ستبقى المرأة أقوى من كل التحديات عندما تؤمن أن قيمتها لا يمنحها هاتف، ولا ينزعها تعليق، ولا يصنعها عدد من المتابعين. فقوة المرأة تبدأ من وعيها بذاتها، ومن احترامها لعقلها، ومن تمسكها برسالتها في الحياة. وبين الواقع والمواقع، يبقى الرهان الأكبر هو أن تظل إنسانة حرة، واعية، وصاحبة أثر حقيقي، لأن الأثر الصادق يبقى، أما ضجيج المنصات فيزول مع مرور الوقت.


