الكاتب: عبد الهادي مستور
الكاتبة: سارة البوزيدي
يعد التعليم الركيزة الأساسية التي تقوم عليها نهضة الأمم، فهو ليس مجرد وسيلة للحصول على الشهادات، بل هو الطريق الذي يصنع الإنسان القادر على التفكير والإبداع وتحمل المسؤولية. وكلما كان النظام التعليمي قويا، انعكس ذلك على تطور المجتمع في مختلف المجالات. غير أن السنوات الأخيرة شهدت تزايدا ملحوظا في ظاهرة تراجع المستوى الدراسي لدى عدد كبير من التلاميذ والطلبة، وهو ما أصبح يثير قلق الأسر والأساتذة والمهتمين بالشأن التربوي. فضعف النتائج الدراسية، وكثرة الانقطاع عن الدراسة، وغياب الرغبة في التعلم، كلها مؤشرات تستدعي الوقوف عند أسباب هذه الظاهرة والبحث عن حلول فعالة لها.
إن أول أسباب تراجع المستوى الدراسي هو ضعف الدافعية نحو التعلم. فالتلميذ الذي لا يملك هدفا واضحا أو حلما يسعى إلى تحقيقه، غالبا ما يفقد الحماس للدراسة، ويصبح حضوره إلى المدرسة مجرد عادة يومية دون رغبة حقيقية في التعلم. كما أن غياب القدوة الناجحة داخل الأسرة أو المجتمع يجعل بعض الشباب يعتقدون أن النجاح لا يحتاج إلى العلم والاجتهاد.
ومن الأسباب التي برزت بقوة في السنوات الأخيرة الإدمان على الهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي. فقد أصبحت هذه الوسائل تستهلك جزءا كبيرا من وقت التلاميذ، حيث يقضون ساعات طويلة في مشاهدة المقاطع القصيرة أو تصفح التطبيقات المختلفة، بينما يخصصون وقتا قليلا جدا للمراجعة والقراءة. ومع مرور الوقت يضعف التركيز، وتقل القدرة على الحفظ والاستيعاب، ويصبح الذهن معتادا على المعلومات السريعة بدلا من التعلم العميق.
كما أن غياب تنظيم الوقت يعد من أهم العوامل التي تؤدي إلى ضعف التحصيل الدراسي. فالكثير من التلاميذ لا يضعون برنامجا يوميا للمراجعة، ويؤجلون الدراسة إلى الأيام الأخيرة قبل الامتحانات، وهو ما يسبب لهم التوتر والضغط النفسي ويؤثر في نتائجهم. والنجاح الدراسي لا يتحقق بالمجهود الموسمي، وإنما يحتاج إلى الاستمرار والانضباط والعمل اليومي.
وتلعب الأسرة دورا محوريا في نجاح الأبناء أو تعثرهم. فالأسرة التي تتابع أبناءها، وتشجعهم على الدراسة، وتوفر لهم جوا هادئا للمراجعة، تساهم بشكل كبير في تحسين مستواهم الدراسي. أما غياب المتابعة، أو كثرة الخلافات الأسرية، أو الانشغال الدائم عن الأبناء، فقد يؤدي إلى شعورهم بالإهمال، مما ينعكس سلبا على أدائهم داخل المدرسة.
ومن الأسباب أيضا الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها بعض الأسر، إذ يضطر بعض التلاميذ إلى العمل لمساعدة أسرهم، أو يعجزون عن توفير المستلزمات الدراسية، مما يؤثر في استمرارهم في الدراسة وفي قدرتهم على المنافسة مع زملائهم.
ولا يمكن تجاهل دور المؤسسة التعليمية، فالاكتظاظ داخل الأقسام، وقلة الوسائل التعليمية، وضعف الأنشطة الثقافية والرياضية، كلها عوامل تؤثر في جودة التعلم. كما أن اعتماد بعض طرق التدريس التقليدية التي تقوم على التلقين والحفظ دون تشجيع التفكير والتحليل، يجعل الدراسة مملة بالنسبة إلى كثير من المتعلمين.
ومن العوامل المؤثرة كذلك الحالة النفسية للتلميذ. فالقلق، والخوف من الفشل، وضعف الثقة بالنفس، والتنمر داخل المؤسسة التعليمية، كلها أمور قد تجعل المتعلم يفقد رغبته في الدراسة. كما أن بعض التلاميذ يعانون من صعوبات في التعلم لا يتم اكتشافها مبكرا، فيتراجع مستواهم دون أن يتلقوا الدعم اللازم.
ولا ينبغي إغفال تأثير رفاق السوء، إذ قد يدفع بعض الأصدقاء زملاءهم إلى التغيب عن الدراسة أو إهمال الواجبات أو التقليل من قيمة العلم، بينما الصحبة الصالحة تشجع على الاجتهاد والتنافس الشريف وتحقيق النجاح.
إن معالجة هذه الظاهرة تتطلب تضافر جهود الجميع. فالأسرة مطالبة بالمتابعة اليومية والدعم النفسي، والمدرسة مطالبة بتطوير أساليب التدريس وخلق بيئة تعليمية جاذبة، كما أن وسائل الإعلام ومواقع التواصل تتحمل جزءا من المسؤولية من خلال نشر محتوى تربوي هادف يعزز قيمة العلم والمعرفة.
ومن الضروري أيضا تشجيع التلاميذ على القراءة، لأنها توسع مداركهم وتنمي قدرتهم على التفكير والتحليل. كما ينبغي تعليمهم مهارات تنظيم الوقت، ووضع أهداف مستقبلية، والاعتماد على المراجعة اليومية، مع تقليل ساعات استخدام الهواتف والألعاب الإلكترونية.
إن نجاح أي منظومة تعليمية لا يقاس فقط بنسبة النجاح في الامتحانات، بل بقدرتها على تكوين إنسان واع، يمتلك المعرفة والأخلاق والمهارات اللازمة لخدمة مجتمعه. ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي لا يكون في المباني والتجهيزات فقط، بل في الإنسان الذي يمثل الثروة الحقيقية لكل أمة.
يعود تراجع المستوى الدراسي ليس قدرا محتوما، بل هو نتيجة لمجموعة من الأسباب التي يمكن معالجتها إذا توفرت الإرادة والتعاون بين جميع الأطراف. فحين يدرك التلميذ قيمة العلم، وتسانده أسرته، وتوفر له المدرسة بيئة تعليمية محفزة، يصبح النجاح أقرب من أي وقت مضى، ويصبح التعليم وسيلة حقيقية لبناء مستقبل أفضل للفرد والمجتمع.

